الرضاعة الطبيعية… بداية الحب والصحة التي ترافق طفلك مدى الحياة
الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية (1–7 أغسطس)
إلى جميع الآباء والأمهات الجدد… اطمئنوا! فطفلكم لم يقرأ دليل التربية هو الآخر!
الرضاعة الطبيعية… أول هدية تدوم مدى الحياة
بقلم: الدكتورة ماماتا بوثراأخصائية طب الأطفال وحديثي الولادة
الساعة الثانية فجراً…
لقد انتهى مولودك الجديد للتو من الرضاعة… مرة أخرى.
الجدة تعتقد أنه ما زال جائعاً.
وجوجل يقول شيئاً.
وإنستغرام يقول شيئاً آخر.
وعمة محبة تقترح استخدام الحليب الصناعي.
أما الأب. فيحاول إعداد كوب من الشاي بينما يتساءل إن كان الأطفال ينامون فعلاً!
وأنت تسأل نفسك…
“دكتور… هل أفعل شيئاً بشكل خاطئ؟“
إذا بدا لك هذا المشهد مألوفاً… فأهلاً بك في عالم الأبوة والأمومة!
في كل عام. من الأول إلى السابع من أغسطس. يحتفل العالم بـالأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية. وهي حملة عالمية تنسقها التحالف العالمي للعمل من أجل الرضاعة الطبيعية (WABA) بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية (WHO) واليونيسف (UNICEF). ويهدف هذا الأسبوع إلى التذكير بأن الرضاعة الطبيعية هي الوسيلة الأكثر فطرة لتغذية الطفل. لكنها ليست دائماً سهلة. ولا ينبغي لأي أم أن تخوض هذه الرحلة وحدها.
ويحمل شعار الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية لهذا العام:
“الرضاعة الطبيعية لبداية مستدامة للحياة… لنعزز ما ينجح.”
وهو شعار أعلنته منظمة WABA لتأكيد الالتزام العالمي بحماية الرضاعة الطبيعية وتعزيزها ودعمها من خلال الأسرة. والأنظمة الصحية. وأماكن العمل. والمجتمع.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بالاعتماد على الرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى من عمر الطفل. ثم إدخال الأغذية التكميلية المناسبة مع الاستمرار في الرضاعة الطبيعية حتى عمر سنتين أو أكثر. طالما رغبت الأم والطفل في ذلك.
هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة. حيث تعيش عائلات من مختلف أنحاء العالم. ألتقي يومياً بآباء وأمهات يحملون معهم عادات وثقافات ونصائح مختلفة. ورغم هذا التنوع الكبير. فإن الأسئلة تكاد تكون واحدة… وكذلك المخاوف.
الساعة الذهبية… ستون دقيقة قد تغيّر حياة كاملة
من أجمل اللحظات التي نشهدها في الطب تحدث بهدوء شديد.
فور الولادة. يُوضع المولود على صدر أمه.
يرفع رأسه ببطء…
ويبحث…
ثم يجد الثدي بفطرته.
دون تعليمات.
ودون مقاطع يوتيوب.
ودون تطبيقات لتربية الأطفال.
إنها الطبيعة. وهي تقوم بما أتقنته عبر ملايين السنين.
هذه الساعة الثمينة. المعروفة باسم “الساعة الذهبية“. تساعد على تنظيم حرارة جسم الطفل. وتنفسه. ومستوى السكر في دمه. كما تعزز الترابط العاطفي بين الأم وطفلها. وتزيد فرص نجاح الرضاعة الطبيعية. وتحسن النتائج الصحية على المدى الطويل.
ثم تأتي أولى قطرات الحليب…
اللبأ (Colostrum).
ويُطلق عليه غالباً “أول لقاح طبيعي“. لأنه غني بالأجسام المضادة والخلايا المناعية وعوامل النمو التي تحمي الطفل من العدوى. وتساعد في بناء جهاز مناعي قوي منذ اليوم الأول من حياته.
أكثر من مجرد غذاء… الرضاعة الطبيعية هي الحب في أنقى صوره
الرضاعة الطبيعية ليست مجرد وسيلة لإشباع معدة صغيرة.
إنها تطمئن الطفل عندما يخاف.
وتخفف ألمه بعد التطعيم.
وتمنحه الدفء أثناء المرض.
وتعزز شعوره بالأمان.
وفي كل رضعة. تساهم بهدوء في بناء دماغه وتقوية جهازه المناعي.
وتؤكد الدراسات باستمرار أن الأطفال الذين يرضعون رضاعة طبيعية أقل عرضة للإصابة بالإسهال. والالتهاب الرئوي. والتهابات الأذن. والحساسية. والسمنة. والسكري. والعديد من الأمراض المزمنة لاحقاً في الحياة. كما ترتبط الرضاعة الطبيعية بتحسن النمو المعرفي والصحة النفسية والعاطفية.
ولا تقتصر الفوائد على الطفل وحده.
فبالنسبة للأم. تساعد الرضاعة الطبيعية على عودة الرحم إلى حجمه الطبيعي بعد الولادة. وتقليل النزيف بعد الولادة. وتسريع التعافي. كما تقلل خطر الإصابة بسرطان الثدي. وسرطان المبيض. والسكري من النوع الثاني. وأمراض القلب على المدى الطويل.
وببساطة…
تُعد الرضاعة الطبيعية من التدخلات الصحية النادرة التي تحسن صحة شخصين في الوقت نفسه.
اعترافات من عيادة طبيب الأطفال…
بعد سنوات طويلة من رعاية حديثي الولادة. لاحظت أمراً طريفاً.
الأطفال غالباً ما يكونون هادئين.
أما الآباء والأمهات…
فيبدون وكأنهم خرجوا للتو من امتحان لم يستعدوا له!
ويبدأ يوم العيادة دائماً بأسئلة مثل:
- “دكتور. طفلي يريد الرضاعة كل ساعة.”
- “دكتور. حليبي يبدو خفيفاً.”
- “دكتور. أصبح الثدي ليناً… هل جف الحليب؟”
- “دكتور. الجو في دبي شديد الحرارة… هل أعطي طفلي ماءً؟”
- “دكتور… كل شخص في المنزل لديه رأي مختلف!”
وغالباً ما أبدأ إجابتي بابتسامة وأقول:
“مبروك… طفلك يتصرف تماماً كما يتصرف أي طفل طبيعي.”
لنوضح بعض المفاهيم الشائعة
يمتلك حديثو الولادة معدة صغيرة جداً. كما أن حليب الأم يُهضم بسرعة. لذلك فإن الرضاعة كل ساعة إلى ثلاث ساعات أمر طبيعي تماماً. وكثرة الرضاعة لا تعني أبداً أن الحليب غير كافٍ. بل هي الطريقة التي يحفز بها الطفل جسم الأم لإنتاج المزيد من الحليب.
ومن أكثر الحوارات التي أكررها يومياً مع الأمهات الجدد:
“دكتورة… أشعر أن حليبي غير كافٍ.”
وأجيب بهدوء:
“لا توجد أم يبدأ جسمها بإنتاج كميات كبيرة من الحليب منذ اليوم الأول.”
فالطبيعة لا تعمل بهذه الطريقة.
في الأيام الأولى بعد الولادة. ينتج الجسم كميات صغيرة من اللبأ. تلك القطرات الذهبية الثمينة التي تُعرف بأول لقاح طبيعي. ورغم أن الكمية تبدو قليلة. فإنها كافية تماماً لأن معدة المولود تكون صغيرة جداً في البداية.
ومع تكرار رضاعة الطفل. يتلقى جسم الأم الإشارة لإنتاج المزيد من الحليب.
إنها منظومة رائعة تقوم على العرض والطلب.
فكلما رضع الطفل بكفاءة أكبر. زاد إنتاج الحليب.
وخلال الأيام التالية. تزداد كمية الحليب تدريجياً لتواكب احتياجات الطفل المتنامية.
ومن أكثر الجوانب المذهلة في الرضاعة الطبيعية أن حليب الأم مصمم خصيصاً لطفلها.
فهو يتغير من شهر إلى آخر. ومن رضعة إلى أخرى. بل وحتى خلال اليوم الواحد.
ويحتوي دائماً على التوازن المثالي من الماء. والعناصر الغذائية. والدهون الصحية. والبروتينات. والأجسام المضادة. والهرمونات. والعوامل المناعية التي يحتاجها الطفل في كل مرحلة من مراحل نموه.
حقاً…
لا يوجد اختصاصي تغذية أفضل من جسم الأم نفسه.
وبحكم إقامتي في دولة الإمارات. أسمع سؤالاً آخر بشكل شبه يومي:
“هل يحتاج طفلي إلى الماء في حرارة الصيف؟“
والإجابة مطمئنة.
فالرضيع السليم الذي يعتمد على الرضاعة الطبيعية الحصرية لا يحتاج إلى أي ماء إضافي خلال الأشهر الستة الأولى من عمره. حتى في حرارة الصيف في دولة الإمارات.
فحليب الأم يحتوي على نحو 88% ماء. ويوفر كل السوائل التي يحتاجها الطفل.
كما تقلق كثير من الأمهات عندما يلاحظن أن الثدي أصبح أكثر ليونة بعد عدة أسابيع.
وهذه في الحقيقة علامة جيدة.
إذ تعني أن الجسم أصبح أكثر كفاءة في إنتاج الحليب. وليس أن الحليب قد اختفى.
ثم يأتي دور الأجداد والجدات…
بارك الله فيهم.
فنصائحهم تنبع من الحب…
ولكن ليس دائماً من العلم.
فيقولون:
- “حليبك خفيف.”
- “الطفل بكى مرة… أعطيه حليباً صناعياً.”
- “لم ينم أربع ساعات متواصلة.”
ولحسن الحظ…
الأطفال لا يقيمون الحليب من خلال شكله.
فحليب الأم يتغير طبيعياً أثناء الرضعة نفسها.
إذ يروي الحليب الأول (Foremilk) عطش الطفل. بينما يحتوي الحليب الأخير (Hindmilk) على نسبة أعلى من الدهون والطاقة التي يحتاجها للنمو.
لقد أتقنت الطبيعة ذلك قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بوقت طويل.
سبع نصائح عملية لكل أب وأم جديدين
1. راقب طفلك… لا الساعة.أرضعي طفلك عندما تظهر عليه علامات الجوع مثل البحث عن الثدي. أو مص اليدين. أو تحريك الشفتين. مع مراقبة نشاطه. وبكائه. وحالته العامة. وترطيبه.
2. عدّ الحفاضات المبللة… لا الآراء.بعد الأيام الأولى. يُعد وجود ست حفاضات مبللة أو أكثر يومياً مؤشراً جيداً على كفاية الرضاعة.
3. كل طفل مختلف.لا تقارن طفلك بطفل الجيران أو الأقارب.
4. اطلب المساعدة مبكراً.إذا كانت الرضاعة مؤلمة. فمن الممكن غالباً تصحيح وضعية الالتقام بسهولة عند التدخل مبكراً.
5. اهتم بصحتك وتغذيتك.فالأم السليمة أكثر قدرة على رعاية طفل سليم.
6. ارتح كلما استطعت.الغسيل يمكن أن ينتظر… أما الأطفال فلا.
7. ثق بنفسك.غالباً ما تعرف الأمهات أطفالهن أكثر مما يعتقدن.
إلى الآباء… هذه الرسالة لكم أنتم أيضاً
قد لا تستطيع إرضاع طفلك.
لكن يمكنك أن تكون أكبر داعم للرضاعة الطبيعية في المنزل.
أحضر لها كوب ماء.
أعد لها وجبة.
غيّر الحفاض.
احمل الطفل بعد الرضاعة.
وفر لها وقتاً للراحة.
وأخبرها بأنها تقوم بعمل رائع.
ففي كثير من الأحيان…
أفضل دعم للرضاعة الطبيعية لا يأتي من الحليب.
بل يأتي من الحب.
متى يجب مراجعة طبيب الأطفال؟
ينبغي استشارة طبيب الأطفال إذا كان الطفل شديد النعاس بصورة غير معتادة. أو يرفض الرضاعة. أو يقل عدد حفاضاته المبللة عن ست يومياً بعد الأسبوع الأول. أو ظهرت عليه الحمى. أو استمر اليرقان. أو لم يكتسب الوزن بالشكل المناسب.
كما ينبغي للأم مراجعة الطبيب إذا كانت الرضاعة مؤلمة باستمرار. أو ظهر احمرار في الثدي. أو ارتفعت حرارتها. أو راودتها مخاوف بشأن كمية الحليب.
وتذكروا…
معظم تحديات الرضاعة الطبيعية مؤقتة.
ومعظمها يمكن التغلب عليه.
وفي كثير من الأحيان. تحتاج الأم إلى التشجيع والطمأنة أكثر من حاجتها إلى الحليب الصناعي.
رسالة إلى كل أم
عزيزتي الأم…
إذا بكيتِ يوماً لأن الرضاعة الطبيعية كانت صعبة…
إذا ساورك الشك في نفسك…
إذا قضيتِ الثالثة فجراً تبحثين في جوجل…
إذا تساءلتِ يوماً إن كنتِ تقومين بما يكفي…
فاعلمي هذا…
أنتِ تتعلمين.
وطفلك أيضاً يتعلم.
امنحي نفسك وطفلك بعض اللطف والصبر.
فالرضاعة الطبيعية ليست رحلة نحو الكمال.
بل هي رحلة من الصبر. والتجربة. والمحبة.
نحن. كأطباء أطفال. نصف المضادات الحيوية. وأجهزة الاستنشاق. والأدوية كل يوم.
لكن ربما تكون أقوى وصفة طبية يمكن أن نقدمها لأم جديدة هي الثقة.
أن ننظر إليها ونقول ببساطة:
“أنتِ تقومين بعمل أفضل بكثير مما تظنين.”
في هذا الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية. دعونا نستبدل الخرافات بالعلم. والانتقاد بالتشجيع. والضغط بالتعاطف.
فالرضاعة الطبيعية ليست مجرد أول وجبة للطفل.
إنها أول لقاح.
وأول حضن.
وأول شعور بالأمان.
وأول وعد بصحة تدوم مدى الحياة.
“عندما ندعم الرضاعة الطبيعية. فإننا لا نغذي طفلاً واحداً فحسب. بل نبني جيلاً أكثر صحة… أسرة بعد أسرة.”
كل عام وأنتم بخير بمناسبة الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية.
“ثقة الأم بنفسها هي في كثير من الأحيان أفضل دواء يمكن أن يحصل عليه المولود الجديد. ادعموها. وشجعوها. ومعاً نمنح كل طفل أفضل بداية صحية ممكنة في حياته.”
— الدكتورة ماماتا بوثراأخصائية طب الأطفال وحديثي الولادة
المشفى الدولي الحديث دبي
.
اكتشاف المزيد من بوابة اخبار دبي العالمية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




